السيد محمد تقي المدرسي
149
المجتمع الإسلامي (منطلقاته وأهدافه)
الجهاد فَوَلِهوا وَلَهَ اللِّقاح - الناقة - إلى أولادها ، وسلبوا السيوف أغمادها ، وأخذوا بأطراف الأرض زحفاً زحفاً ، وصفاً صفاً ، بعضٌ هلك وبعضٌ نجا ، لا يُبشرون بالأحياء ، ولا يعزون عن الموتى . مُرْهُ العيون من البكاء ، خُمص البطون من الصيام ، ذبل الشفاه من الدعاء ، صُفْرُ الألوان من السهر ، على وجوههم غَبَرة الخاشعين ، أولئك اخواني الذّاهبون ، فحق لنا أن نظمأ إليهم ونَعضّ الأيدي على فِراقهم ) « 1 » . انظروا إلى هؤلاء . . فمن جهة تراهم حينما يُدْعَون إلى الجهاد يهرعون إليه كما تهرع الأم إلى أولادها ، ويواصلون جهادهم في أطراف الأرض زحفا زحفا ، وصفا صفا ، ومن جهة أخرى عندما يسدل الليل أستاره تجدهم غبر الوجوه ، خمص البطون ، مره العيون من البكاء ساهرين الليل في التهجد والعبادة . ان المجتمعات المتقدمة ، ينقاد أفرادها لروادها ، وهم أصحاب العقول النيرة ذات الإبتكار والإبداع ، وذات الرؤية البعيدة والتطلعات السامية . وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا تلك الصفوة القادرة على الإبداع والاجتهاد ، وهؤلاء هم الذين كانوا يقودون الأمة الإسلامية في بداية تكونها ، وإذا قرأت عن صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أنه كان والياً في بلد من البلدان ، فاعرف أنّه كان يمثل محوراً لكل تحرك في ذلك المجتمع . وفي الثورات الشعبية ، وبالرغم من أنّ الثورة تقوم بها الجماهير ، إلّا أن الذين يوصلون الثورات إلى أهدافها هم مجموعة بسيطة من الثوار المخلصين المتفانين من أجل الأهداف التي يحملونها . والإسلام إنما يريد تغيير الأقلية الحاكمة في المجتمع لتكون هذه الأقلية القائدة ، مختارة على أسس سليمة وليس على اعتبارات زائفة .
--> ( 1 ) - نهج البلاغة ، الخطبة رقم 121 .